الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
260
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
على عدم جواز زيادة الوقت على الفعل لكن ستعرف وهنه فالظاهر أنه حجة شرعية لا داعي إلى العدول عنه فالاحتجاج المذكور إنما يتم بعد ضم المقدمة المشتملة على إبطال ما ذكره الخصم من لزوم اختصاص الوجوب بتعلق أجزاء الوقت من أوله وآخره وإلا فمجرد ظهور الأمر في الشريعة في التوسعة ومساواة أجزاء الوقت في تأدية الواجب بما لا مجال للخصم في أفكاره فلا بد من ضم ما يبطل به ما ادعاه الخصم من الباعث على الاختصاص إلى ذلك حتى يتم الاحتجاج بل هو العمدة في المقام وأنت خبير بأن الحجة المذكورة إنما تفيد ما اخترناه فإن أقصى ما تفيده العبارة هو وجوب الإتيان بالطبيعة في المدة المفروضة من غير إشعار بحصول التخيير وتعلق الأمر أصالة بالفعل المفروض في خصوص كل جزء من الزمان المفروض على سبيل التخيير بينها حسبما اختاره ويجري ذلك في غير هذا الوجه من الوجوه الذي احتجوا بها حسبما نشير إليها قوله وليس في الأمر تعرض لتخصيصه إلى آخره يريد بدفع ذلك اختصاصه ببعض أجزائه المعينة فإنه إذا لم يكن في اللفظ دلالة عليه كما هو معلوم في الوجدان وبالاتفاق كان قضية الأمر المعلق على الوقت المفروض بعد ظهور البطلان الوجهين المتقدمين حصول الامتثال بأدائه في أيّ جزء شاء قوله بل ظاهره ينفي التخصيص إلى آخره يومي من دعوى عدم دلالة على التخصيص إلى دلالته على عدمه فيتم الاحتجاج حينئذ من وجهين قوله فيكون القول بالتخصيص بالأول والآخر تحكما باطلا لعدم قيام دليل عليه في ظاهر اللفظ ولا من الخارج بل مخالفا لظاهر ما يفيد اللفظ من مساواة الأجزاء حسبما ادعاه أخيرا ويمكن تعميم الحكم للصورتين كما هو ظاهر البيان قوله وأيضا لو كان الوجوب مختصا إلى آخره قد أشار إلى هذه الحجة في النهاية ويرد عليه أن ما ذكر من الملازمة على تقدير اختصاص الوقت بالآخر ممنوع لإمكان كونه نفلا يسقط به الفرض كما ذهب إليه القائل به وما ذكر من لزوم كونه قاضيا على تقدير اختصاصه بالأول غير واضح الفساد أيضا ودعوى الإجماع على فساده ممنوع كيف والقائل به قد يلتزم بذلك إلا أنه يقول بالعفو فيكون ذلك هو الفارق بينه وبين غيره من المضيقات وقد يجاب من ذلك بجعل ما ذكره بعضا من الدليل الأول فيكون قوله وأيضا إلى آخره وجها آخر لإبطال دلالة اللفظ على الاختصاص بالأول والآخر فيكون قد استند في إبطاله أولا إلى دعوى الظهور وكون التخصيص بأحدهما تحكما باطلا وثانيا إلى المذكور فإنه لو كان في اللفظ دلالة على اختصاصه بأحد الوقت لزم أحد الأمرين من التقديم القاضي بعدم الامتثال وبقاء الاشتغال وكون الفعل قضاء باعثا على ترتب العصيان لكونه قضاء عمديا أخذا بظاهر ما يقتضيه اللفظ من تعين الإتيان به في وقته وعدم حصول الامتثال به نعم لو قام دليل على الإجزاء بأحد الأمرين صح البناء عليه وقضى بالخروج عما يقتضيه ظاهر اللفظ لكنه غير متحقق في المقام كذا ذكره الفاضل المدقق في تعليقاته على الكتاب وأنت خبير بما فيه أما أولا فلبعده جدا من العبارة إذ ليس فيها ما يفيد كون المقصود إبطال دلالة اللفظ عليه وظاهر العبارة بل صريحها هو رفع اختصاص الوجوب واقعا بجزء معين حسبما يذهب إليه أحد الخصوم ونشير إليه أن العلامة رحمه الله جعل ذلك في النهاية حجة مستقلة على المقصود بحيث لا مجال في كلامه للاحتمال المذكور وأما ثانيا فبأن عدم دلالة اللفظ على اختصاص الوجوب بالأول أو الأجزاء أمر واضح لا مجال لتوهم دلالة اللفظ عليه ولذا قطع به في الجملة من غير أن يستدل عليه وقوع عليه كون الحكم بالاختصاص حينئذ تحكما باطلا فليس استناده في إبطال دلالة اللفظ عليه إلى دعوى الظهور وكون التخصيص بأحدهما تحكما كما ذكره المفروض بل الأمر بالعكس كيف وإثبات عدم دلالة اللفظ عليه بكونه تحكما غير معقول فإنه إنما يكون تحكما إذا لم يكن في اللفظ دلالة عليه ومن الغريب أن الفاضل المدقق قد ادعى في تقرير الاحتجاج كون انتفاء تقييد الأمر بجزء مخصوص أمرا ظاهرا وحكى الاتفاق على قيام دليل نقلي من الخارج على الاختصاص ومعه كيف يعقل تنزيل العبارة على الوجه المذكور وأما ثالثا فبأن الإيراد المتقدم جار بالنسبة إلى التقرير المذكور أيضا فإن أريد بقوله وهو خلاف الإجماع أن عدم صحة المتقدم واقتضائه العصيان خلاف الإجماع فالملازمة وبطلان التالي ممنوع وإن أريد به أن اقتضاء ظاهر الأمر ذلك خلاف الإجماع فالملازمة في المقامين مسلمة لكن بطلان التالي ممنوع إذ لا مانع من القول باقتضاء ظاهره ذلك إلا أنه قد قضى الدليل الشرعي من الإجماع أو النص بخلافه إذ لا يستريب أحد في جواز التقديم وعدم ثبوت العقاب والتأخير هذا [ احتجاج المصنف للقول بأن الحال في الواجب الموسع بالنسبة إلى الزمان كالواجب المخير بالنسبة إلى الأفراد . ] وقد استدل المصنف للقول المذكور بوجوه أخر أحدها حصول العلم الضروري بجواز قول السيّد لعبده خط هذا الثوب في هذه الشهر ولا تؤخره عن ذلك الوقت وفي أي وقت أتيت به من ذلك الشهر فقد امتثلت أمري ولو أخرته عنه بمعصيتي وهذا هو معنى الواجب الموسع إذ لا يعقل حينئذ كون الإيجاب مضيقا ولا عدم إيجابه على العبد شيئا وقد يقال إن التكليف المذكور ينحل إلى أمرين وجوب الفعل على سبيل التضييق في آخر وقت الإمكان واستحباب الإتيان به في أوله بحيث يكون مسقطا للتكليف به في الآخر غاية الأمر أنه خلاف ظاهر الإطلاق ولا كلام للخصم في الخروج عن ظاهر الإطلاق وإنما أمر به لما زعمه من حكم العقل ومع الغض عن ذلك فمرجع الوجه المذكور إلى الدليل المتقدم لرجوعه إلى التمسك بالظاهر وإن اختلفا في ظاهر التقرير ثانيها أنه يمكن تساوي أجزاء الزمان في المصلحة الداعية إلى الفعل بأن يكون المصلحة قاضية بحصول الفعل من غير أن يختص تلك المصلحة بجزء من الزمان دون آخر ففي أي جزء أتي به المكلف فقد حصل لك المصلحة فلو أخرج الفعل عن تمام الوقت فاتت تلك المصلحة فهذا الفعل لا يجوز أن يحكم الشارع بتضييقه وإيجابه في جزء معين من أجزاء الوقت لتساوي الأجزاء في المصلحة الداعية إلى الفعل ولا أن يترك الأمر به لما فيه من تفويت المصلحة اللازمة فلا مناص في إيجابه على المكلف على وفق المصلحة المفروضة فيكون الأمر به على سبيل التوسعة ويمكن أن يقال إنه لا كلام في ورود التكليف على النحو المفروض في الواجبات الشرعية مما يكون الشأن فيه ذلك قطعا بحيث لا مجال لإنكاره وإنما الكلام في أنه إذا ورد التكليف على الوجه المذكور فهل يتصف الفعل بالوجوب من أول الوقت إلى آخره أو أنه يختص الوجوب بالأول ويكون إتيانه في الباقي قائما مقامه مثمرا لما جعلوه من الوجوه الدالة عليه فمجرد تساوي أجزاء الوقت في المصلحة الداعية إلى الفعل بمعنى آخر أو تلك المصلحة بأداء الفعل فيه لا يقضي باتصاف الفعل في تمام الوقت بالوجوب فاللازم في الوجه المذكور كسابقه من ضم ما ذكرناه في الوجه الأول من المقدمة القاضية ببطلان ما زعمه الخصم من الوجه القاضي